الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

504

انوار الأصول

النهي طلباً للترك ، ( والتعبير بأنّ عدم المفسدة بنفسه مصلحة تعبير تسامحي ) كما أنّ الأمر بالصّلاة لا يكون لأجل مفسدة في ترك الصّلاة . واستدلّ في تهذيب الأصول بوجه ثالث وهو « أنّ العدم والترك من الأمور الباطلة الوهمية لا يمكن أن يكون ذا مصلحة تتعلّق به اشتياق وإرادة أو بعث وتحريك ، إذ البطلان المحض لا يترتّب عليه أثر حتّى يقع مورد التصديق بالفائدة ، وقد عرفت أنّ ما هو المشهور من أنّ للاعدام المضافة حظّاً من الوجود ممّا لا أصل له إذ الوجود لملكاتها لا لاعدامها » « 1 » . ولكن الإنصاف أنّه مجرّد دقّة عقليّة ، فإنّ العدم لو سلّمنا كونه بطلاناً محضاً بنظر فلسفي عقلي ، إلّا أنّ الكلام في الأوامر والنواهي العرفيّة العقلائيّة ، ولا يبعد أن يطلب مولى عرفي من عبده عدم شيء أو ينهاه عنه ، كما أنّه كثيراً ما يتّفق أنّ الطبيب يطلب من المريض ترك أكل غذاء خاصّ أو ترك شرب مائع خاصّ كالماء البارد . ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ النهي من الإنشائيات لا الإخباريات حيث إنّه وضع لانشاء الزجر وليس بمعنى « زجرت » ، كما أنّ الأمر أيضاً وضع لانشاء البعث وليس بمعنى « بعثت » . هذا - وقد وقع بين القائلين بأنّ معنى النهي طلب الترك نزاع معروف ، وهو أنّه ما المراد من الترك ؟ فهل هو عبارة عن « أن لا يفعل » ، أو يكون بمعنى الكفّ ذهب المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني رحمهما الله إلى الأوّل ، ويمكن أن يستدلّ له بوجهين : الوجه الأوّل : أنّه هو المتبادر إلى الذهن . الوجه الثاني : أنّ الترك أمر عدمي ، وهو يحصل بمجرّد ترك الفعل ، والتكليف بالكفّ تكليف بأمر وجودي زائد على مطلق الترك فيحتاج إلى مئونة زائدة من الدليل وهي مفقودة . والقائلون بأنّ المراد من الترك هو الكفّ استدلّوا بأنّ مجرّد « أن لا يفعل » عدم خارج عن تحت القدرة والاختيار فلا يمكن أن يتعلّق به البعث والطلب ، والشاهد على ذلك أزليّة العدم بمعنى أنّه كان قبل أن يكون المكلّف موجوداً . وأجيب عنه : بأنّه إذا كان وجود شيء تحت القدرة والاختيار كان عدمه أيضاً كذلك لاستحالة الانفكاك بين وجود شيء وعدمه من هذه الجهة ، فإنّ الجبر في جانب العدم يستلزم

--> ( 1 ) تهذيب الأصول : ج 1 ، ص 372 ، طبع جماعة المدرّسين .